علي بن يوسف القفطي
59
أساس السياسة
يهزلوا في أمر ولا نهي ، كما هزلت معنا . ولا يلعبوا بذلك كما لعبت به وبنا . فإنّ ذلك يحطّ من أقدار الملوك عند رعاياهم . ويطرّق التهاون إلى امتثال أوامرهم وقضاياهم . لأن المأمور أو المنهيّ ربما حمل ذلك في وقت الجدّ على عادة الهزل . فوقع بذلك الخلل الذي لا يستدركه الرأي الجزل . ثم إنك - أيّها الملك - تواعدت « 1 » من تخلّفت منا بوبيل النّكال « 2 » . ووعدت من بادرت بجزيل النّوال . فلا أنت وفّيت للمحسن من الجزاء بموعوده . ولا أنت ألحقت بالمسيء ما تواعدته به من العقاب على إساءته في مقصوده . والملوك إذا لم يحقّقوا الوعد والوعيد سقط من القلوب وقع هيبتهم . ولم تسكن النّفوس عند الإحسان إلى حسن مثوبتهم . ولم تخف عند الإساءة من سوء عقوبتهم . بل من عادة الملوك الأفاضل أن لا يخلفوا وعدا ولا وعيدا « 3 » . ولا يألوا في ذلك تغليظا ولا تشديدا . فأعجب الملك ذلك من كلامها واستحسنه . وتدبّره بصافي فكره وتبيّنه . فعلم أنه القول الصّدق . وتحقق أنه الرأي الحق . واسترجحها واستنصحها وقدّمها وحكّمها لما استفصحها « * » . وفوّض إليها النظر في أمر قصره ومن فيه . وأطلق يد تصرّفها في خزائن ملكه وما تحويه . وقد كان قبل ذلك مائلا إلى غيرها ، وكلفا بحبّها ، مشغول القلب بها ، لما كانت تظهره له من كلفها به واشتغال قلبها . فلما بلغها تقديم الملك لهذه التي قدّمها ، وتيقّنت أنها أول من عليه
--> ( 1 ) تواعدت : تهددت . ( 2 ) وبيل النكال : شدّة العقاب . ( 3 ) راجع فقرة الخصال التي أثبتها المؤلّف في مقدمته ، ص 49 . ( * ) وضع الناسخ هذه الكلمة إلى يسار الورقة . والمقصود أنه وجدها فصيحة .